ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
272
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ومما استعذبته من قوله في هذا الباب « 1 » : كأنّ سهاد اللّيل يعشق مقلتي * فبينهما في كلّ هجر لنا وصل ومما جاء من هذا الباب : لمّا اعتنقنا للوداع وأعربت * عبراتنا عنّا بدفع ناطق فرّقن بين معاجر ومحاجر * وجمعن بين بنفسج وشقائق وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة . وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة ؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج . وهذا قول غير سائغ ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره ، فإذا طرّ وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبّه بالبنفسج ؛ لأنه يكون بين الأخضر والأسود ، وليس في الشعر ما يدل على أن المودّع كان شابا قد طرّ عارضه ؛ والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزّقت خمارها ولطمت خدها ؛ فجمعت بين أثر اللطم ، وهو شبيه بالبنفسج ، وبين لون الخد ، وهو شبيه الشقائق ، وفرّقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق ولها وموجدة على الوداع ؛ هذا هو معنى البيت ، لا ما ذهب إليه هذا الرجل . وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنّع الكنديّ من شعراء الحماسة « 2 » .
--> ( 1 ) هذا البيت من القصيدة التي منها البيت السابق ؛ وقبله قوله : كأنّ رقيبا منك سدّ مسامعي * عن العذل حتّى ليس يدخلها العذل وبعده البيت الذي أنشده المؤلف ، وبعده قوله : أحبّ الّتي في البدر منها مشابه * وأشكو إلى من لا يصاب له شكل ( 2 ) المقنع الكندي - بصيغة اسم المفعول - اسمه محمد بن عميرة ، وأصل المقنع : الذي يغطي رأسه ، والذي يلبس السلاح مقنع أيضا ، وذكروا أن محمد بن عميرة هذا كان جميلا وضيء الوجه ، فكان يستر وجهه لجماله ، ولهذا سمي المقنع ؛ والبيت من كلمة له اختارها أبو تمام في الحماسة ( انظر شرح التبريزي : 3 - 171 ) وأولها قوله : يعاتبني في الدّين قومي وإنّما * ديوني في أشياء تكسبهم حمدا أسدّ به ما قد أخلّوا وضيّعوا * ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدّا وفي جفنة ما يغلق الباب دونها * مكلّلة لحما مدفّقة ثردا وفي فرس نهد عتيق جعلته * حجابا لبيتي ثمّ أخدمته عبدا وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي * وبين بني عمّي لمختلف جدّا فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي * زجرت لهم طيرا تمرّ بهم سعدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم * وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وبعد ذلك البيت الذي ذكره المؤلف ، وبعده قوله : وإنّي لعبد الضّيف ما دام نازلا * وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا